القديسون الأرثوذكسيون | Orthdox Saints
القديس باييسيوس‎ ‎الآثوسي
‎ 12تموز

رجوع

الشيخ باييسيوس الآثوسي الأرشمندريت جورج كبساني رئيس دير ‏البار غريغوري


ترجمة رامي شربك

       إنَّ كلّ إطراءٍ ومديح أو سردٍ لسيرةِ الشيخ باييسيوس يبقى قاصراً عن إيفائه حقّه. فقد استطاع هذا الأب، بواسطة محبته المماثلة لمحبة المسيح يسوع، أن يعزّي أناساً كثيرين. لأجل هذا يلقى مديحاً كبيراً في كنيسة الله.
      
امتلَكَ الأب باييسيوس موهبة نادرة مكَّنتهُ من تعزية أناسٍ من كافة فئات المجتمع ومن مختلف الثقافات والمستويات الروحية. أذكر تماماً ذاك الطبيب النفسي الذي قَدِم إلى ديرنا بعد لقائه الشيخ. لم يكن لقاءه هذا تعزية فقط، كما أخبرني، بل كان أيضاً درساً نافعاً لأن أقوال الأب كانت أساسيةً وحاسمةً على صعيد الطب النفسي، علماً أن الشيخ لم يقرأ من الكتب سوى الإنجيل والقديس إسحق السوري.
      
لم يكن يُوفِّر جهداً أو وقتاً لتعزية نفس بشرية. في إحدى المرات، راودتني الحيرة حول كيفية شفائه لشابٍ كان يعاني من مشاكل نفسية صعبة، لكني لم أسأله تقديراً لخصوصية الأمر. بعد سنوات من ذلك جاء الجواب من الشيخ على النحو التالي: "عندما يعاني أحدهم من مشكلة ما، عليك أن تسمعه بانتباه حتى لو تكلّم لوقت طويل وألا تُظهر تعبك أمامه لأنك ستخسر بذلك كل شيء. أنا مثلاً، استمعت يوماً ما للشاب (فلان) مدة 9 ساعات دون حراك، ومن وقتها أعاني آلاماً في الأمعاء". لم تكن هذه الحادثة بالطبع هي الوحيدة التي أظهرت عظم محبة وتضحية الأب باييسيوس.
      
حدّثتهُ مرّة عن مشكلة صعبة كانت تواجهني، كأب روحي، أثناء الاعترافات، فقال لي الشيخ آنذاك: "اسمع يا أبتِ، عندما يصبح أحدٌ ما أباً روحياً عليه أن يقرر الذهاب إلى الجحيم عوضاً عن اللذين يُعَرِّفهم، وإلا من الأفضل ألا يصير. لكنّي أقول لك أنه هناك حيث سيذهب إلى الجحيم، سيتمكن من جعلها فردوساً، لأنه يمتلك المحبة". حقاً إنه قول رهيب، لا يمكن أن يخرج إلا من فم إنسان حاملٍ اللهَ في داخله.
      
من المعلوم أن العذراء الكلية القداسة اعتنت في السنوات الثلاثين الأخيرة بإعادة إحياء الرهبنة في جبل آثوس. ويُعتَبر الأب باييسيوس أحد أولئك الشيوخ اللذين ساعدوا شباناً كثيرين على أخذ قرار الرهبنة. كما أنه ساعد الكثير من الرهبان الشبّان على الثبات في طريقهم الجديد. كنا نشعر به سنداً وعوناً في جهادنا لرعاية رهباننا الجدد، وبلسماً لكثيرين من المجاهدين ضد الشرير والأهواء وروح العالم.
      
كان الشيخ ينصح مراراً بأن نمتلك نبلاً وشهامة روحية. وقد ميّزت هاتان الفضيلتان بالذات الأب نفسه، الأمر الذي يعرفه كثيرون ممن عاشروه. قمت بزيارته مرّةً في قلايته القديمة "الصليب المكرّم"، وعند انتهاء محادثتنا ودّعته وقفلت راجعاً، لكنه بقي يرافقني مدّة كافية من الزمن. عندها قلت له ألا يُتعب نفسه وأن يعود إلى قلايته، فحيّاني وانطلق عائداً. من المؤكد أنه كان سيرافقني حتى كارييس (عاصمة الجبل)، لو لم أطلب منه العودة.
      
يجب عليّ أن أذكر أيضاً أن الشيخ لم يكن يُظهر موهبته في معرفة الخفايا والمستقبل إلا نادراً وبهدف منفعة النفوس وليس حباً بالظهور. جاءه مرة راهب شاب أرهقه فكر ضد رئيس ديره لأنه لم يُقدّم له رداءً بلا أكمام. قبل أن يكشف الأخ فكره هذا، بادره الشيخ قائلاً: "يا أخي المبارك، بماذا تفكر، هل برئيس ديرك الذي لم يصنع لك الرداء؟".
      
كان يعزّي الرهبان الشبّان عندما تحزنهم ضعفاتهم، التي كان يصفها بالضعفات الطفولية، كالغيرة مثلاً. كان يقدّم لهم النصيحة بأنه يتوجب عليهم أن ينضجوا ويتجاوزا هذه النقائص.
      
امتلك الأب باييسيوس أيضاً التمييز، الأعظم من بين كل الفضائل. وكان يساعد، من خلاله، كل نفسٍ على اكتشاف ميلها ورغبتها وكذلك دعوتها من الله كي تجد الراحة الحقيقة.
      
لقد حضنت محبته العالم أجمع. إذ ساعد أناساً كثيرين، وبالأخص الشباب، كي يعيشوا الحياة المسيحية في العالم وضمن العائلة. عندما كنت تتكلم مع الشيخ، كنت تشعر حقاً أنك في أحضان الله.
      
يجدر بنا أن نذكر أيضاً أن الأب باييسيوس كان حساساً جداً تجاه المسائل العقائدية. كتب لي مرّةً: "لا تدخل العقائد في جدول أعمال المجموعة الاقتصادية الأوربية". بهذا سار على خطا الآباء القديسين، الذين اعترفوا وآمنوا بأن الإنسان يحتاج إلى اقتران الفضيلة باستقامة الرأي كي يخلص.
      
وضع الشيخ، برقاده المغبوط، الختم الأخير على حياة القداسة التي عاشها. إذ اقتبل مرضه المؤلم كعطية من الله وكان يفرح حين يفكر بأن المسيحيين الذين يحيون في العالم ويعانون من هذا المرض (السرطان) سيتعزّون، عالماً في نفس الوقت أن الرهبان أيضاً يتألمون من هذا المرض ذاته.
      
تخطّى الأب حبّ الذات. فهو لم يكن يحزن لمرضه الشخصي، بل كان، وهو على فراش آلامه، يفكّر بالمتألمين من إخوته البشر. حتى في أيام حياته الأخيرة كان يبدي اهتمامه بمشاكل الناس. زاره، قبل رقاده بأيام قليلة، زوجان مؤمنان لديهما بنات يساكنَّ بدون زواج، فقال لهما: "أوصيكما أن تهتما بإصلاح حال بناتكما". وفعلاً، بفضل صلاته، تحققت وصيته ورغبته هذه.
      
فليكن ذكرك مؤبداً أيها الشيخ الجليل. نشكرك على كل ما قدمتَه لنا، لقد عزّيتَنا وعضدتَنا وعلّمتَنا بأقوالك وسيرتك. صلِّ كي نتبع نحن أيضاً أثرَك، كما تبعتَ أنت بكل أمانة أثر المسيح مخلصنا.

 
جبل آثوس – 25 آذار 2004

** منقول من :  http://www.orthodoxlegacy.org/cms/

** للرجوع الى المقال الأصلي : http://www.orthodoxlegacy.org/Year5/050505Paisios.htm