القديسون الأرثوذكسيون | Orthdox Saints
القديس باييسيوس‎ ‎الآثوسي
‎ 12تموز

رجوع

تاب الشيخ باييسيوس الآثوسي شهادات معاصرة




تعريب
د. رامي شربك
منشورات مكتبة البشارة - بانياس 2010

وهذه بعض ما ورد في الكتاب:
- أثناسيوس الجزيل الاحترام متروبوليت ليماسول (قبرص):
عرفت الأب باييسيوس في شهر أيلول من العام 1976. كنت ذاهباً وقتها للمرة الأولى إلى جبل آثوس بصحبة رفاق الدراسة، وقمنا بزيارة الشيخ الذي كان ينسك آنذاك في قلاية الصليب المكرّم بالقرب من دير ستافرونيكيتا. هناك كان لقائي الأول معه. يمكنني القول أننا ذهبنا وكلنا شوق وفضول لرؤية الشيخ، الذي كنّا قد سمعنا عنه الكثير. استقبلنا الأب بفيض من المحبة، لكنني أذكر أن بداية اللقاء كانت مخيبةً لآمالي قليلاً لأنه لم يكن باستطاعتي إدراك أسرار هكذا أشخاص روحانيين. كان الشيخ يقدّم لنا أشياء مختلفة كنوع من كرم الضيافة ويقول بعض النكت ويضحك، وعندها بدأت أشك بقداسة هذا الشخص التي قيل عنها الكثير. فقد كنت أظن أنه يجب على القديسين أن يكونوا صامتين وعابسين. تملّكني هذا الانطباع في بداية اللقاء، لكن الحقيقة ما لبثت أن كَذَّبتنا عندما بدأ الشيخ ينطق بأقوال نسمعها للمرة الأولى ويشهد لها من حياته الخاصة.
الحدث الأول الذي أودّ ذكره بكلّ صدق هو التالي: في اللحظة التي خرجنا فيها لوداع الشيخ وتقبيل يده حصل أمر بدا لنا وكأنه تدخل إلهي، فقد امتلأ المكان المحيط بنا برائحة عطرة لا توصف. فهم الشيخ ما حصل وأسدى لنا النصيحة بالمغادرة، فيما توجّه هو إلى قلايته. انطلقت أنا ورفيقيَّ إلى كارييس بفرح يصعب شرحه أو التعبير عنه. لم نكن نفهم سبب جرينا إلى كارييس، أو سبب الرائحة العطرة التي فاحت من الجبال والهواء والصخور وكلّ شيء حولنا. حقّاً لقد هزّ كياني هذا الأمر الذي اختبرته وعشته في لقائي الأول مع الأب باييسيوس.
قضى الأب سنين طفولته وبدايات الشباب في كونيتسا. أخبرنا مرّة أنه عندما كان في سن الخامسة عشرة، كان معتاداً أن يذهب خفية إلى الغابة حيث كان قد بنى له كوخاً من الأخشاب والأغصان (كالمنسك)، وكان يصلّي هناك بدموع. لقد كان هذا بالتأكيد عمل النعمة. كان يشعر بحلاوة النعمة ويرغب بالبقاء وحده كي يصلّي للمسيح. وبينما كان يصلّي رأى المسيح أمامه- ليس في نومه وإنما حقيقةً – حاملاً بيده إنجيلاً مفتوحاً، وكلّمه بأقوال كانت هي نفسها مكتوبة في الإنجيل. قال له المسيح: "يا أرسانيوس، أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي وإن مات فسيحيا". إنَّ حدث ظهور المسيح هذا كان، كما أعلم، الخبرة الأولى لأرسانيوس الصغير في هذا المجال، وربما ترك أثره على مسيرة الأب الرهبانية فيما بعد.
كان الشيخ يبتعد باجتهاد عن كل مجدٍ عالمي وعن الشهرة التي اكتسبها، وأستطيع القول أن المرّات الوحيدة التي كنت أراه فيها صارماً جداً، كانت عند سماعه كلام أحدٍ ما عنه أو عن أفعاله العجائبية.
عندما ذهبت إلى الجبل في عام 1976 ورأيته، قلت له: "أيها الشيخ، لقد ذاع صيتكم كثيراً في العالم. الناس يتكلمون عنكم وعن عجائبكم بشكل كبير". أجابني ضاحكاً، وبطريقته المعهودة التي يمزج فيها المزاح بالحكمة قائلاً: "ألم تعبر أثناء مجيئك الآن من مقلب القمامة الموجود في كارييس؟". قلت له: "نعم مررت من هناك...". فأكمل: "هناك في مقلب القمامة توجد بقايا معلّبات فارغة. عندما تسقط عليها أشعة الشمس، فإنها تلمع. هكذا ينخدع الناس أيضاً، فهم يرون نور الشمس الذي يلمع على العلبة الفارغة، التي هي أنا، ويظنون أنها ذهب. لكن إذا اقتربت من هناك يا بنيّ، سترى أنها علبة فارغة". كان الشيخ يقول ذلك ضاحكاً، ولكن عندما كنّا نتكلّم بشكل جدّي، كان يقول بحزن في بعض المرات: "بالنسبة لي يا بنيّ، فإن عدوّي الأكبر هو اسمي. الويل للإنسان والراهب الذي يذيع صيته، لأنه سيفقد الهدوء. علاوة على ذلك، فإن الناس سيبدؤون بنسج قصص مختلفة ومبالغٍ بها في أكثر الأوقات".
مئات الأشخاص كانوا يزورون قلايته. إذ حالما كانت الحافلة تصل إلى كارييس ويأخذ الزوّار إذن الإقامة في الجبل، كانوا يتوجهون جميعاً إلى الأب باييسيوس. كنت ترى قافلة بشرية ذاهبة إلى هناك، فقد كانت قلايته البُغية والمحطة الأولى. في بعض المرات التي كنت معه في القلاية لم يكن يفتح الباب، وعندما كنت أتساءل عن ذلك، كان يجيب: "انظر.. لنبدأ بالصلاة.. وإن جاءنا الجواب من الله، سنفتح".
كانت الصلاة هي العمل الأسمى لهذا الرجل الذي نذر نفسه لأجل إخوته في العالم. لم يكن يهتمُّ لجسده البتة بالرغم من إرهاقه وتعبه. كان رجلاً لا يعرف معنى النوم ولا الراحة، وكان مستعداً دائماً وممتلئ القلب بالمحبة لكي يقبل آلام البشر. أذكر لقائي معه في عيد الميلاد من عام 1982 بعد السهرانية، حيث تكلّمنا وشرح لي عظم محبة الله التي، كما يقول الشيخ، تسكن في الإنسان كالنار. قال لي وقتها أيضاً: "منذ بضع سنوات اشتعلت في داخلي هذه المحبة، حتى صرت أشعر بأن عظامي تذوب كالشمع. وفي إحدى المرّات زارتني النعمة بغزارة بينما كنت ماشياً، فجثوت على ركبتيَّ ولم أعد قادراً على مواصلة السير. كنت أخشى أن يراني أحد ما ويتعجب ممّا أصابني". بعد ثماني سنوات، تحوَّلت هذه المحبة العظيمة، دون أن تهجره بالطبع، إلى ألمٍ كبير لأجل العالم. ومنذ ذلك الوقت بدا أن الشيخ قد أعطى نفسه، بعد أن صار مسكناً لله، لأجل البشر المتألمين.
كان الناس من مختلف طبقات المجتمع يزورون الأب باييسيوس. إذ كنت ترى المثقفين والأميين والأساقفة وأساتذة الجامعة، إضافة إلى أناس من أديان ومذاهب أخرى يأتون لرؤيته.
لم تكن الأماكن التي سكنها القديس، بشكل عام، معزِّية. فمثلاً، قلاية الصليب المكرّم كانت منعزلةً لدرجة أنك لا تستطيع أن ترى أية قلاية أخرى على امتداد نظرك. كانت صحراءً بكل معنى الكلمة. وأذكر أن الشيخ كان يقول لي: "إذا سمعت أية ضجة في المساء، لا تخف. إنها خنازير برية أو ابن آوى".

** منقول من : http://www.serafemsarof.com/vb/index.php

** للرجوع الى المقال الأصلي :  http://www.serafemsarof.com/vb/showthread.php?t=4931